responsiveMenu
فرمت PDF شناسنامه فهرست
   ««صفحه‌اول    «صفحه‌قبلی
   جلد :
صفحه‌بعدی»    صفحه‌آخر»»   
   ««اول    «قبلی
   جلد :
بعدی»    آخر»»   
نام کتاب : أصول الدعوة نویسنده : عبد الكريم زيدان    جلد : 1  صفحه : 334
مستمدَّة من ذات الإسلام وطبيعته، لا من شيء خارج عنه، ولهذا فإنَّ إيمانه العميق ينبض به كيانه كله، ويسري فيه مسرى الدم، ولا يمكن أن يتأثَّر أو يضعف أو يزول لأيِّ سبب خارجي مهما كان نوع وطبيعة هذا السبب الخارجي، فهو ليس من الذين قال الله فيهم: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} [1]، فهذا شأن المنافق أو ضعيف الإيمان المرتاب، كما قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: "هو المنافق، إن صلحت له دنياه أقام على العبادة، وإن فسدت عليه دنياه وتغيرت انقلب فلا يقيم على العبادة إلّا لما صلح من دنياه، فإن أصابته فتنة أو شدة أو اختبار أو ضيق ترك دينه ورجع إلى الكفر"[1].
فإيمان الداعي العميق ثابت لا يتزعزع مهما صادفته محنة أو شدة، ومهما كانت حاله من ضعف وقلة، ومهما كان حال الكفرة من قوة ومنعة، حتى لو بقي وحده في الأرض، وهكذا كان إيمان صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في جميع أحوالهم يوم كانوا في مكة محاصَرين يعذّبهم الكفرة، ويوم هاجروا فارين بدينهم إلى الحبشة، ويوم هاجروا إلى المدينة، ويوم انتصروا في بدر، وانكسروا في أحد، وحوصروا في الخندق، إنَّهم في جميع تلك الأحوال التي تقلَّبوا فيها لم يتزعزع إيمانهم، ولم يتسرَّب إلى قلوبهم ذرةٌ من الشكِّ في كونهم على الحق، وموصولين بالحق، ويدعون إلى الحق، وأنَّ الكفرة في ضلالٍ مبين، قال تعالى: {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ} [3]، ولا يضعف إيمان الداعي انصراف الناس عنه وعدم إجابتهم له.
فقد لبث نوح -عليه السلام- كما أخبرنا الله عنه {فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا} [4]، ولم يؤمن له إلّا القليل، كما لا يدل انصراف الناس عنه أنَّه مقصِّر في دعوته ما دام قد أفرغ جهده، فالتقصير يعرف -إن وجد- من قلة ما يقدمه الداعي للدعوة، لا من عدم إجابة المدعو.

[1] سورة الحج، الآية: رقم 11.
2 تفسير ابن كثير ج3 ص209.
[3] سورة الرعد، الآية: 14.
[4] سورة العنكبوت، الآية: 14.
نام کتاب : أصول الدعوة نویسنده : عبد الكريم زيدان    جلد : 1  صفحه : 334
   ««صفحه‌اول    «صفحه‌قبلی
   جلد :
صفحه‌بعدی»    صفحه‌آخر»»   
   ««اول    «قبلی
   جلد :
بعدی»    آخر»»   
فرمت PDF شناسنامه فهرست